محمد بن جرير الطبري

528

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك " ، ثم استثنى " القليل " ، فرفع بالمعنى الذي ذكرنا ، إذ كان الفعل منفيًّا عنه . * * * وهي في مصاحف أهل الشام : ( مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ ) . وإذا قرئ كذلك ، فلا مرْزِئَةَ على قارئه في إعرابه ، ( 1 ) لأنه المعروف في كلام العرب ، إذ كان الفعل مشغولا بما فيه كنايةُ مَنْ قد جرى ذكره ، ( 2 ) ثم استثني منهم القليل . * * * القول في تأويل قوله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ( 66 ) } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بذلك : ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويصدُّون عنك صدودًا = " فعلوا ما يوعظون به " ، يعني : ما يذكّرون به من طاعة الله والانتهاء إلى أمره ( 3 ) = " لكان خيرًا لهم " ، في عاجل دنياهم ، وآجل معادهم = " وأشد تثبيتًا " ، وأثبت لهم في أمورهم ، وأقوم لهم عليها . ( 4 ) وذلك أن المنافق يعمل على شك ، فعمله يذهب باطلا وعناؤه يضمحلّ فيصير هباء ، وهو بشكه يعمل على وناءٍ وضعف . ( 5 )

--> ( 1 ) " المرزئة " ( بفتح الميم ، وسكون الراء ، وكسر الزاي ) ، مثل الرزء ، والرزيئة : وهو المصيبة والعناء والضرر والنقص ، وكل ما يثقل عليك ، عافاك الله . وكان في المطبوعة والمخطوطة : " فلا مرد به على قارئه " ، وهو شيء لا يفهم ولا يقال ! ! ( 2 ) " الكناية " الضمير ، كما سلف مرارًا كثيرة . ثم انظر مقالة أبي عبيدة في مجاز القرآن 1 : 131 . ( 3 ) انظر تفسير " الوعظ " ، فيما سلف ص : 299 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك . ( 4 ) انظر تفسير " التثبيت " فيما سلف 5 : 354 ، 531 / 7 : 272 ، 273 . ولو قال : " وأقوى لهم عليها " ، لكان ذلك أرجح عندي ، وكلتاهما صواب . ( 5 ) " الونا " و " الوناء " : الفترة والكلال والإعياء والضعف .